بسم الله الرحمان الرحيم
ثورة و لكن...
أتمّ الشعب التونسي مهمته الأولية و أسقط الطاغية و بعض أعوانه و فتح الباب على مصراعيه لبقية الشعب العربي لينجز فعله الثوري. لقد بدأ المد الثوري عارما و دفع الناس ثمنه شهداء و جرحى و أجبر خنازير النظام أن تنحني و تختفي من الساحة إلى حين في انتظار هدوء العاصفة لتخرج بعد ذلك لتقوم بدورها العادي الذي لا تجيد غيره و هو الركوب على الأحداث و المتاجرة بأرواح و دماء الشعب و تحييد مطالب الثورة الرئيسة عن التحقق و كادوا أن يفعلوا و لا زالت المعركة تدور و إن في الخفاء و متخفية في رداء الثورة.
حصان طروادة التونسي
روى الشاعر الإغريقي الملحمي هوميروس حرب طروادة و علقت بالأذهان خاصة خدعة الحصان المجوف و المليء بجنود الإغريق و الذي قُدِمَ على أنه بادرة سلام و محبة لأهل المدينة و تظاهر الجيش المُحَاصِر للمدينة بالانسحاب و قبل الطرواديون الهدية الملغمة رغم تحذيرات لاكون و كساندرا. في الليل انشغل أهل المدينة باللهو و الشرب و خرج الجنود من جوف الحصان و فتحوا أبواب المدينة و كانت المذبحة.
الأساطير هي حكمة الشعوب و دروس و مواعظ للمتأخرين و يبدو أنه لكل مدينة حصانها المجوف الملغم.
فلكي يطاح بثورة ما يجب أن يتم ذلك عبر خطاب ثوري أي إفشال الثورة بخطاب ثوري.
ما يجري الآن في تونس هو خلط متعمد للأوراق و المفاهيم و تشويش على المواطن بإغراقه في اليومي كلية بغية استنزاف قوى المجتمع في مشاكل و صراعات جزئية و تأليب طرف على آخر و المراهنة على عامل الوقت لكسب المعركة.
تتلخص مطالب الثورة التونسية في القطع النهائي مع الماضي و اقتلاع الفساد من جذوره و محاسبة من تعدى على حرمة التونسيين و قتل أبنائهم و نهب أموالهم و إرساء نظام سياسي عصري يمنع عودة الديكتاتورية و الإقصاء و يكون معبرا عن تطلعات شعب متحضر و مثقف كالشعب التونسي الطامح أن يستعيد دوره الحضاري الرائد عربيا و عالميا.
بعد الهروب المدوي للغير المأسوف عليه سعى النظام للإمساك بدفة السفينة المتهاوية جراء العاصفة و توجيهها نحو شاطئ الأمان (أمانه) و الخروج بأخف الأضرار كالتضحية ببعض الحمل الزائد و إلقاءه في البحر (كالطرابلسية, صخر الماطري و السرياطي باعتبارهم أوراق محروقة) و بدأت اللعبة بتسخير وسائل الإعلام ذاتها التي كانت منذ أيام تمدح الطاغية. و انهمر سيل جارف من التقارير و المقالات التي تتحدث عن سرقات بن علي و عائلته و عملياتهم المشبوهة و قصورهم الفخمة و فضائحهم الجنسية و حتى شذوذهم و علقت كل المصائب على ظهورهم كأنهم فقط من كان ينهب و يغتصب حقوق الناس و الغريب أن من انقلب عليهم اليوم هم رفاق الفساد.
طيلة الفترة الماضية أمطرتنا وسائل الإعلام البنفسجية بوابل من الأخبار المتشابهة لديها جميعها فتقرأ الخبر في هذه الصحيفة لتجده في الأخرى فكأنهم أنشئو هيئة تحرير موحدة. و أعاد رواد المقاهي و مختلف الأماكن العامة رواية الأخبار كل بطريقته بينما كانت قوات القمع تنكل بمعتصمي القصبة الذين أبوا إلا أن يتمسكوا بمطالب الثورة الحقيقية.
و رغم ذلك أصر الشعب على انجاز تغيير حقيقي و سقطت حكومة التجمع الأولى و انتظرنا ما ستفعله الحكومة الجديدة تلبية لندائها بضرورة منحها بعض الوقت و كان كذلك. النتيجة׃ مناورات سياسية و تهرب من التغيير الحقيقي تغيير لبعض الوجوه مع استمرار نفس المنهج و محاولة تلخيص أهداف الثورة في البعد الاجتماعي لا غير.
تحركت قوى المجتمع الفاعلة و رفضت سياسة الالتفاف و رجع المعتصمون للقصبة و رجع البوليس لقمعهم و ممارسة أساليبه القذرة من اندساس و تشويه و الجميع يعرف التفاصيل و انكشف اللعبة للرأي العام و استقال الغنوشي تحت ضغط الشارع و خرجت مجموعات تطالب بعودته و صورته على أنه بطل قومي و كأنه لم يكن لشهر و نصف مضى كبير وزراء الطاغية و منفذ سياساته التي أوصلتنا لطريق مسدود. خرج سكان المنازه و النصر و من لف لفهم و كل من شعر بقرب فقد امتيازاته ليعلن على الملأ أنه يمثل "الأغلبية الصامتة". و أن معتصمي القصبة لا يمثلون إلا أنفسهم و هم أقلية شاذة و الشاذ يحفظ و لا يقاس عليه. و كأن هؤلاء القوم هم من أشعل الثورة و كانوا وقودها و كأن البوعزيري كان يسكن المنزه الخامس بجوار الغنوشي.
نحن مع عودة الحياة لطبيعتها و عجلة الاقتصاد للدوران لكن مع تواصل الحذر و اليقظة و التظاهر و الاعتصام السلمي حتى تتحقق مطالب الثورة.
من يقوم بإحداث البلبلة و الفوضى اليوم ليسوا من يعتصم في القصبة بل هم من تضرر من الثورة و ليس من مصلحته أن تهدأ الأمور ليتفرغ الناس للمحاسبة و الإصلاح. فكلما تمسك الشعب بمطلب رئيس كلما حدثت عمليات تخريب و عنف (شارع الحبيب بورقيبة, القصرين, الكاف, قبلي...) أو فتحوا مغارة علي بابا ليبينوا للناس أن المال موجود و لا خوف من الفقر و بإمكانكم أن تضربوا عن العمل و تطالبوا بزيادة الأجور و توقفوا الاقتصاد و تدخل البلاد في أزمة خانقة و يثور عامة الناس على اتحاد الشغل باعتباره وراء هذه الإضرابات و اختزال هذه المنظمة العريقة في شخص عبد السلام جراد و من شابهه.
إن اختزال الإتحاد في شخص عبد السلام جراد مقصود من بعض الأطراف التي لم ترضها تحركات النقابيين و مساندتهم للثورة منذ البداية عبر قواعدهم و للأسف انساق قسم كبير من المجتمع وراء هذا الطرح عن وعي و أغلبهم عن غير وعي و تناسوا نضالات النقابيين الشرفاء زمن الصمت و الرصاص و عندما كان العمل النقابي تهمة و يجر على صاحبه الويلات و المضايقات. تصوروا لو لم يسقط المخلوع ما يمكن أن يحصل للنقابيين الذين اتصلوا بالجزيرة و القنوات الأخرى للتشهير و سب بن علي و فضحه منذ الأيام الأولى في سيدي بوزيد و تالة و القصرين و غيرها من المناطق. لقد غامروا بخبزة أولادهم و وظائفهم و ربما بحياتهم من أجل إعلاء صوت الشعب و فضح القمع. الآن و قد رحل الطاغية أصبح الجميع مناضلا و تراجع الشرفاء و انسحبوا لأنهم لا يجيدون لغة المزايدة و الاتجار بمواقف و نضالات بذلوها و هم لا ينتظرون جزاء و لا شكورا. أقول أن على الإتحاد أن يطهر هياكله من الوصوليين الذين أساءوا له و شوهوا نضالات قواعده لدى الرأي العام. لكن رغم ذلك كان الإتحاد و لا يزال و سيكون دائما نصيرا للقضايا العادلة لشعبنا و لقضايا الأمة العربية الإسلامية و لن يدنسه لا عبد السلام جراد و لا غيره و يجب على الجميع أن يعي أن الإتحاد هو مكسب للوطن و ملك الشعب التونسي و يكفينا فخرا أن أول منظمة نقابية عربية و افريقية رأت النور على أرض تونس الطاهرة على يد محمد علي الحامي و رفاقه.
أسئلة بلا أجوبة
هناك أمور مبهمات تبقى بلا أجوبة شافية حتى اللحظة
-ما الذي دعا الحكومة لاعتقال العربي نصرة و توجيه تهمة الخيانة العظمى للوطن له ووقف بث قناة حنبعل ثم إطلاق سراحه بعد عدة ساعات مع اعتذار رسمي من الحكومة التي أعلنت أن لا علم لها و لا يد في قطع بث القناة. إذن من اصدر الأمر ومن نفذ؟؟؟
-ماذا تنتظر الحكومة لتعتقل من قام و أصدر الأوامر بإطلاق النار بهدف القتل على المتظاهرين خاصة وان أغلبهم معروفين من المواطنين فما بالك بوزارة الداخلية؟؟؟ هذه الخطوة مهمة جدا و عاجلة لتهدئة أهالي الشهداء و الجرحى.
-من وراء عصابات التخريب الممنهج ؟؟؟
-لماذا تصر الحكومة على عدم حل جهاز البوليس السياسي سيئ الذكر؟؟؟ فهل توجد دولة تحترم نفسها و شعبها تحتفظ بجهاز بوليس مهمته ملاحقة و اختطاف المعارضين و نشطاء حقوق الإنسان؟؟؟
-ما حقيقة دور المخابرات الأجنبية و الفرنسية خاصة و ما سر تعيين سفير ذو خلفية أمنية؟؟؟
.......؟؟؟
وصلنا اليوم إلى مرحلة حاسمة و يجب مراقبة عمل الحكومة بعد تعيين قائد السبسي و نأمل أن يتعظ من دروس حكومة الغنوشي و تقود هذه الحكومة البلاد إلى بر الأمان بالتعاون مع مختلف الأطراف الوطنية الصادقة و التشاور معها و عدم الانفراد بالرأي.
إن غدا لناظره قريب
المولدي يزيدي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
هذا الفضاء مفتوح للجميع بدون استثناء ويتسع لكل الآراء و المشارب الفكرية المتنوعة بشرط احترام الآخر و عدم تجريحه أو كتابة كلام بذيء الذي سيحذف في الحال.